الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
453
انوار الأصول
ومعاهدة ، فكما أنّ قوله تعالى : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » يشمل البيع بالعنوان الأوّلي يشمل أيضاً الشروط التي في ضمنه كذلك . وأمّا ما ذكره صاحب الكفاية من أنّه من باب التوفيق العرفي فإن كان مراده أنّ الجمع بينهما على وزان الجمع بين العام والخاصّ والظاهر والأظهر ، فهذا أمر لا يمكن المساعدة عليه ، لما عرفت من كون أحدهما حاكماً على الآخر ، وإن كان المراد ما يشمل الحكومة ( وإن كان خلاف مصطلح القوم ) فلا مانع منه ، ولكنّه لا يوافق ظاهر كلامه . الأمر الخامس : موارد الجمع العرفي ليست من التعارض إذا كان أحد الدليلين أظهر من الآخر أو كان أحدهما نصّاً والآخر ظاهراً فلا إشكال في أنّ العرف يوفّق بينهما بتقديم الأظهر على الظاهر ( إذا كان الأظهر قرينة على التصرّف في الظاهر ) والنصّ على الظاهر ، فهما ليسا متعارضين عندهم إلّا في النظر البدوي . وهذا ممّا لا إشكال فيه كبروياً ، إنّما الإشكال فيما مثّلوا له بالعام والخاصّ والمطلق والمقيّد ، أمّا المطلق والمقيّد فلأنّه إذا فهمنا الاطلاق من مقدّمات الحكمة ( لا من اللفظ ) كما هو مذهب المحقّقين من المتأخّرين ، فمن المقدّمات عدم البيان في مقام البيان ، ولا ريب أنّه بعد ورود المقيّد يتبدّل إلى البيان فيكون وارداً على المطلق . وأمّا العام والخاصّ فلما مرّ في مبحث العام والخاصّ ( إذا كان منفصلًا كما هو موضوع البحث في المقام ) من أنّهما من قبيل المتعارضين المتضادّين عند العرف سواء صدر العام على نهج الجملة الخبريّة أو الجملة الإنشائيّة ، فإذا قال الولي لعبده : « بع جميع أفراد الغنم » ثمّ قال غداً : « لا تبع هذه وهذه » يحمله العرف على التناقض والتضادّ أو على الغفلة أو الندم والبداء ، وكذلك إذا سأل المشتري من البائع « هل يوجد عندك شيء من ذلك الثوب ؟ » وقال البائع : « بعتها كلّها » ثمّ قال في ساعة أخرى : « بعتها إلّا هذا المقدار » فلا إشكال في تكذيب المشتري إيّاه ، وهكذا في المراسلات وفي المحاكم عند سؤال القاضي عن المتّهم فلو أجاب بالعام في مجلس والخاصّ في مجلس الآخر أو في مجلس واحد مع عدم اتّصال الخاصّ بالعام ، لعُدّ كلامه متناقضاً ، كما لا يخفى على من راجع العرف وصرف النظر عمّا انغرس في الأذهان من كلام الأصوليين .